الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
396
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والآخرين . والاستفهام للتقرير استدلالا على إمكان البعث بطريقة قياس التمثيل . والمراد بالأولين الموصوفون بالأولية أي السبق في الزمان ، وهذا يقرّ به كل جيل منهم مسبوق بجيل كفروا . فالتعريف في الْأَوَّلِينَ تعريف العهد ، والمراد بالأولين جميع أمم الشرك الذين كانوا قبل مشركي عصر النبوة . والإهلاك : الإعدام والإماتة . وإهلاك الأولين له حالتان : حالة غير اعتيادية تنشأ عن غضب اللّه تعالى ، وهو إهلاك الاستئصال مثل إهلاك عاد وثمود ، وحالة اعتيادية وهي ما سن اللّه عليه نظام هذا العالم من حياة وموت . وكلتا الحالتين يصح أن تكون مرادا هنا ، فأما الحالة غير الاعتيادية فهي تذكير بالنظر الدال على أن اللّه لا يرضى عن الذين كذبوا بالبعث . وأما الحالة الاعتيادية فدليل على أن الذي أحيا الناس يميتهم فلا يتعذر أن يعيد إحياءهم . [ 17 - 18 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 17 إلى 18 ] ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 18 ) حرف ( ثمّ ) للتراخي الرتبي لأن التهديد أهم من الإخبار عن أهل المحشر ، لأنه الغرض من سوق هذا كله ، ولأن إهلاك الآخرين أشدّ من إهلاك الأولين لأنه مسبوق بإهلاك آخر . ووقعت جملة كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ موقع البيان لجملة أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ [ المرسلات : 16 ، 17 ] ، وهو كالتذييل يبين سبب وقوع إهلاك الأولين وأنه سبب لإيقاع الإهلاك بكل مجرم ، أي تلك سنة اللّه في معاملة المجرمين فلا محيص لكم عنها . وذكر وصف المجرمين إيماء إلى أن سبب عقابهم بالإهلاك هو إجرامهم . والإشارة في قوله : كَذلِكَ إلى الفعل المأخوذ من نَفْعَلُ ، أي مثل ذلك الفعل نفعل .